ابن قيم الجوزية

171

البدائع في علوم القرآن

قبول الهدى والانقياد ، وجعل الأكثرين أضل سبيلا من الأنعام ، لأن البهيمة يهديها سائقها تهتدي ، وتتبع الطريق فلا تحيد عنها يمينا ولا شمالا ، والأكثرون يدعوهم الرسل ويهدونهم السبيل ، فلا يستجيبون ولا يهتدون ، ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم ، والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه ، وما ينفعها فتؤثره ، واللّه تعالى لم يخلق للأنعام قلوبا تعقل بها ، ولا ألسنة تنطق بها ، وأعطى ذلك لهؤلاء ، ثم لم ينتفعوا بما أعطى وجعل لهم من العقول والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار ، فهم أضل من البهائم ، فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى الطريق مع الدليل أضل وأسوأ حالا ممن لا يهتدي ، حيث لا دليل معه . مثل في الذين اتخذوا أولياء من دون اللّه تعالى ومنها قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) [ العنكبوت ] ، فذكر - سبحانه - أنهم ضعفاء ، وأن الذين اتخذوهم أولياء هم أضعف منهم ، فهم في ضعفهم ، وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتا ، وهو أوهن البيوت وأضعفها . وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون اللّه أولياء ، فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلّا ضعفا ، كما قال تعالى : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ( 81 ) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ( 82 ) [ مريم ] ، وقال تعالى : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ( 74 ) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ( 75 ) [ يس ] ، وقال بعد أن ذكر إهلاك الأمم المشركين : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ( 101 ) [ هود ] . فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون اللّه وليّا يتعزز به ، ويتكبر به ويستنصر به لم يحصل له به إلا ضد مقصود . وفي القرآن أكثر من ذلك ، وهذا من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك ، وخسارة صاحبه ، وحصوله على ضد مقصوده . فإن قيل : فهم يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت ، فكيف نفى عنهم علم ذلك بقوله : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ؟